يؤهل

cropped-yu2ahel-logo.png

هل يمكن للمتوحد أن يعود طبيعياً ؟

سؤال واجهني كثيراً طوال سنوات عملي التي ناهزت 27 عاماً كأخصائي تخاطب .

أ/ ساني عبد الرؤوف محمد نعيم
اختصاصي أمراض النطق واللغة
المستشار الفني لمنصة يؤهل
خبرة أكثر من 26 عام

في كل مرة أواجه هذا السؤال ، يقفز إلى عقلي عدة أسئلة أخرى :

  • ماذا يعني أن تكون متوحداً ؟
  • ماذا يعني أن تكون طبيعياً ؟
  • ما هي الاختلافات و ما هي القواسم المشتركة ؟
  • هل المتوحد أدنى درجة من ( الطبيعي) ؟
  • ما هي قدرات ( المتوحد ) ؟

لماذا يجب أن ننظر للمتوحد من خلال أعيننا و لا نفكر أن ننظر لأنفسنا من خلال عينيه ؟ أسئلة كثيرة ، أجبت لنفسي على بعض منها و حاولت الإجابة على البعض الآخر .

مبدئياً فإن اضطراب طيف التوحد (حتى الآن) ليس مرضاً ، فلا يمكن علاجه بتدخل دوائي أو جراحي أو غيره و هذه للأسف حقيقة . بالفعل هناك بعض التدخلات الدوائية التي استطاعت تحسين بعض الخصائص التي ننكرها نحن معشر ( الطبيعيين Typically Developed ) ، و لكنها لم تعالجها تماما و لم تختفي الى غير رجعة . و يتراوح تأثير هذه التدخلات الدوائية حسب كل فرد متوحد ، فلا مقياس لأثرها يمكن الاعتماد عليه ، و قد تؤثر بشكل سلبي على وظائف عقلية و ادراكية و ذهنية في أحيان كثيرة . نعم أصبح بالإمكان ربط بعض الجينات ببعض الأعراض ، و لكنه ليس ربطاً قاطعاً و نهائياً حتى الآن .

و الآن الى الأسئلة الكثيرة التي تحتل تفكيري عندما أسمع هذا السؤال موجها لي. أولها و أهمها : ماذا يعني أن تكون متوحداً ؟

بكل بساطة أن تختلف طريقة تعاطيك مع البيئة و المجتمع عن الأشخاص الآخرين ، فلا تتواصل بصرياً مع المحيطين بك بالشكل الذي يرونه (طبيعياً) و في أحيان كثيرة تكون المستقبلات الحسية مختلفة الدرجة عنهم مما يؤدي لرد فعل مختلف.

أن تكون متوحداً معناها أن ترى العالم بشكل مختلف ، أن تمتلك القدرة على رؤية و سماع أدق التفاصيل ، أن يكون بامكانك التركيز على عمل تحبه دون كلل أو ملل ، أن تمتلك ارادة اتقان عمل ما أو شئ ما مميز عن باقي سكان هذا الكوكب ، أن تخلص في حب لون معين أو لعبة معينة أو حيوان معين لدرجة لا يمكن للمحيطين بك ادراكها ، أن يكون لديك القدرة (عند التدريب) على كبح جماح كل هذا و ترويضه من أجل أن تقترب من الشكل ( الطبيعي ) الذي يريدونه منك .

بينما أن تكون (طبيعياً) هو أن تتعامل مع هذا العالم بالشكل الذي يراه و يريده المحيطين بك في هذا العالم ، أن تمتلك قواسم مشتركة تجعل منك شخصاً أشبه بهم في طرق التعامل و التواصل و التفاعل. أن تكون قريباً منهم في درجة استقبال و التحليل و التعاطي مع المدخلات و المثيرات الحسية المختلفة .

أعرف أنني أسير بتحليلي هذا في طريق معاكس لأغلب ما يعتقده ( الطبيعيين ) .
بتحليلنا نحن معشر ( الطبيعيين) لكلمة ( انسان حساس ) فإن المتوحد يفوق علينا بأميال في هذا الأمر ، فهو يرى ما لا نراه ، يسمع ما لا نسمعه ، يلاحظ ما لا ندركه في أغلب الأحيان .

و القواسم المشتركة كثيرة ، فالمتوحد يمتلك كل حواسنا و لكنها تعمل عنده بشكل مختلف (عادة أكثر منّا) ، و هو يحب و يكره و يفضل و يهتم و يفرح و يغضب و يفكر و يحلل (أكثر منّا عادة) ، و ينظر للأمور بمنظار أشمل أو أدق –و في كلا الحالتين فهو يرى ما نراه أيضاً و لكنه يتعداه إلى أمور أشمل أو أدق- .

من منّا يمتلك قدرات أكثر ؟ : من ينتبه لأدق التفاصيل ، أم من تتعداه التفاصيل ؟ ، من يمتلك القدرة على التركيز و الاتقان لدرجة قد يعجز عنها معظم الناس ؟ من يتمكن من تنمية قدراته بالتدريب لكبح جماح ردود أفعال مبنية على معطيات حسية كثيرة جداً أم من لا يتمتع بتلك الحساسية لمدخلاته الحسية من الأصل ؟

إذا أجبت عن هذه الأسئلة بحيادية و منطقية ستدرك يقينا أن المتوحد –على الأقل- لا يقل عن أي انسان ( طبيعي ) في أي شئ .
أدرك الآن بعد هذا المقال أنني قد أجبت على السؤال الأخير : لماذا يجب أن ننظر للمتوحد من خلال أعيننا و لا نفكر أن ننظر لأنفسنا من خلال عينيه ؟

أما عن السؤال الأهم ، ما هو علاج التوحد ؟
حتى الآن لا يوجد علاج ( بمعنى انتهاء الأعراض تماما ) للتوحد ، و كما ذكرت في البداية فإن التدخلات الدوائية حتى الآن نجحت في ( تحجيم ) بعض الأعراض ، و يظل التدخل التأهيلي هو الطريق الأمثل للتعامل مع المتوحد و تنظيم طاقته و اكتشاف قدراته المذهلة . فعلى مدار أعوامي الطويلة في هذا التخصص تعاملت مع الآلاف من حالات التوحد منها حوالي ثمانمائة في الثمانية أعوام الأخيرة ، و من هذا الرقم أؤكد أن كل متوحد يمتلك قدرة معين –سواء اكتشفناها أو لم نكتشفها فيه بعد- يتفرد بها عن باقي الثمانية مليارات نسمة من سكان هذا الكوكب . و دورنا كأهالي و أخصائيين هو التعاون مع المتوحد لكي يبلغ هذا الهدف و هو اكتشاف قدراته الكامنة ، فعندما يكتشفها سيكون قد قطع معظم الطريق –أو جزء كبير منه- نحو التعاطي بشكل أفضل مع المجتمع و البيئة المحيطة به ، و سيكون قادراً حينئذ على اتخاذ قرارت يعتبرها المجتمع ( طبيعية و معقولة) . فالشخص القادر على الرسم أو عزف الموسيقى أو التصوير أو أداء العمليات الحسابية المعقدة أو ممارسة رياضة معينة بإتقان بالغ أو إتقان عدة لغات ، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون غير قابل للتدريب على التعامل مع المجتمع و البيئة عندما يتطلب الأمر منه ذلك .

في النهاية ، أعتذر للتحامل علينا نحن معشر ( الطبيعيين) ، فأنا أعشق هذا الذي يمتلك قدرات لا أمتلكها و حواس أكثر حدة من معظمنا ، و أموت كمداً ممن يبخسونه حقه .